بقلم الإعلامي / خالد سالم
لم يعد الحديث عن الانتحار في مصر مجرد وقائع فردية متفرقة، بل أصبح ظاهرة تفرض نفسها بقوة على الساحة، وتتحول تدريجيًا إلى “ترند” يثير القلق والخوف، ويستدعي وقفة جادة لفهم أسبابه ومواجهته بوعي ومسؤولية.
خلال رحلة عمل إلى العاصمة التشيكية براغ، لفت انتباهي أمر غريب؛ أسوار مرتفعة تحيط بخطوط السكك الحديدية بشكل غير معتاد.
سألت صديقًا يعمل في الخارجية التشيكية عن السبب، فجاءت إجابته صادمة: “هذه الإجراءات بسبب ارتفاع نسب حوادث الانتحار في أوروبا”.
لحظتها أدركت أن الظاهرة ليست محلية فقط، بل عالمية، لكنها تأخذ في كل مجتمع طابعًا خاصًا يرتبط بظروفه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
في مصر، تتعدد الأسباب، لكنها تتقاطع في نقطة واحدة: الشعور بالاختناق النفسي وفقدان الأمل.
أولًا: الأسباب الاجتماعية
يعاني كثير من الشباب من ضغوط اجتماعية متزايدة، تبدأ من البطالة وتأخر سن الزواج، ولا تنتهي عند التفكك الأسري وضعف الروابط العائلية.
مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت أيضًا في تضخيم الإحساس بالفشل، حيث يقارن الفرد حياته البسيطة بصور مثالية زائفة لحياة الآخرين، فيتولد لديه شعور بالنقص والعجز.
ثانيًا: الأسباب الاقتصادية
لا يمكن إنكار تأثير الأوضاع الاقتصادية الصعبة، فارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وقلة الفرص، كلها عوامل تضغط على الإنسان يوميًا.
عندما يشعر الفرد أنه غير قادر على تلبية احتياجاته الأساسية أو تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار، قد يدخل في دائرة من الإحباط واليأس.
ثالثًا: الأسباب الدينية والفكرية
رغم أن المجتمع المصري بطبيعته متدين، فإن ضعف الوعي الديني الحقيقي يلعب دورًا مهمًا.
فهناك فرق كبير بين التدين الشكلي والإيمان العميق الذي يمنح الإنسان القدرة على الصبر وتحمل الأزمات.
غياب الخطاب الديني القريب من واقع الناس، والقادر على احتواء أزماتهم النفسية، يترك فراغًا قد تملؤه أفكار سلبية وخطيرة.
رابعًا: الصحة النفسية المغيبة
واحدة من أخطر المشكلات هي تجاهل الصحة النفسية.
لا يزال الذهاب إلى طبيب نفسي في نظر البعض “وصمة”، مما يدفع كثيرين إلى كتمان معاناتهم حتى تصل إلى مرحلة الانفجار.
الاكتئاب، القلق، والاضطرابات النفسية الأخرى تُترك دون علاج، فتتحول إلى قنابل موقوتة.
هل أصبح الانتحار عدوى؟
مع انتشار الأخبار عبر الإعلام والسوشيال ميديا، قد تتحول بعض الحوادث إلى نماذج مقلدة، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة نفسيًا.
هنا تكمن خطورة التناول غير المسؤول، الذي قد يساهم دون قصد في نشر الفكرة بدلًا من محاصرتها.
الحل ليس مستحيلًا
مواجهة الظاهرة تبدأ بالاعتراف بها، ثم العمل على عدة محاور: دعم الصحة النفسية وإتاحتها للجميع دون وصمة.
تطوير خطاب ديني وإنساني يلامس الواقع.
تحسين الأوضاع الاقتصادية وخلق فرص حقيقية للشباب.
تعزيز دور الأسرة كخط الدفاع الأول.
مسؤولية إعلامية في تناول القضية بحذر ووعي.
في النهاية، الإنسان لا يختار إنهاء حياته لأنه يريد الموت، بل لأنه لم يعد يرى وسيلة للعيش.
وهنا يأتي دور المجتمع بالكامل في إعادة هذا الأمل، قبل أن يتحول الصمت إلى مأساة جديدة تُضاف إلى قائمة طويلة لا يجب أن تطول أكثر.


