بقلم الإعلامي خالد سالم
لم يكن مشروع «بيت الوطن» بالنسبة للمصريين العاملين بالخارج مجرد أرض أو وحدة سكنية، وإنما كان حلمًا بالاستقرار والارتباط بالوطن، وثمار سنوات طويلة من الغربة والعمل والادخار.
لكن هذا الحلم اصطدم خلال السنوات الماضية بظروف استثنائية لم تكن في حسبان أحد، وهو ما يدفع عددًا كبيرًا من المستفيدين إلى المطالبة بمد مهلة البناء، حتى يتمكنوا من استكمال التزاماتهم وتنفيذ ما بدأوه بالفعل.
أهم نقاط معاناة المصريين بالخارج
أولًا: سنوات لم يتمكن فيها كثير من المغتربين من النزول إلى مصر
هناك أعداد كبيرة من المصريين العاملين بالخارج لم يتمكنوا لسنوات من العودة إلى مصر، خصوصًا خلال فترة جائحة كورونا، وما صاحبها من إجراءات احترازية وقيود على السفر.
ثم جاءت الحروب والأزمات التي شهدتها بعض دول الاغتراب لتزيد صعوبة السفر والتنقل، وأصبح المواطن في كثير من الأحيان أمام أولوية الحفاظ على عمله وأسرته وسلامته.
فكيف يمكن أن تُحسب هذه السنوات على المواطن باعتبارها فترة طبيعية كان يستطيع خلالها متابعة إجراءات البناء كما كان مخططًا؟
ثانيًا: توقف الطيران وتعطل حركة السفر
توقف حركة الطيران خلال فترة كورونا لم يكن مجرد مشكلة في السفر، وإنما تسبب في تعطيل الكثير من الإجراءات التي تحتاج إلى وجود صاحب الأرض في مصر.
فالمغترب قد يحتاج إلى الحضور بنفسه لمتابعة إجراءات التعاقد، أو استخراج المستندات، أو التعامل مع الجهات المختصة، أو الاتفاق مع المهندسين والمقاولين، أو متابعة تنفيذ الأعمال.
وعندما تتوقف الرحلات أو تصبح العودة إلى مصر شديدة الصعوبة، فإن المواطن يفقد جزءًا مهمًا من قدرته على إدارة مشروعه.
ثالثًا: انتهاء عقود العمل والتعثر الجماعي
من أهم النقاط التي يجب وضعها في الاعتبار أن عددًا من المصريين بالخارج تعرضوا لإنهاء عقود العمل بصورة جماعية خلال فترات الأزمات.
وهنا تغيرت المعادلة بالكامل.
فالمواطن الذي كان يخطط للبناء اعتمادًا على دخل ثابت في الخارج، أصبح فجأة أمام توقف أو انخفاض مصدر دخله، وربما اضطر إلى البحث عن عمل جديد، أو العودة إلى مصر، أو الانتقال إلى دولة أخرى.
وهذا النوع من التعثر لم يكن ناتجًا عن عدم الرغبة في البناء، وإنما عن ظروف اقتصادية ووظيفية خارجة عن إرادة المواطن.
ومن غير المنطقي أن نتعامل مع من فقد مصدر دخله بسبب أزمة استثنائية كما نتعامل مع شخص امتنع عمدًا عن تنفيذ التزاماته.
رابعًا: تأخر استخراج تراخيص البناء
هناك أيضًا مشكلة أخرى لا يتحمل المواطن مسؤوليتها منفردًا، وهي تأخر استخراج تراخيص البناء والإجراءات المرتبطة بها.
فالمواطن قد يكون راغبًا في البناء، ومتعاقدًا مع مكتب هندسي أو مقاول، وبدأ بالفعل في الإجراءات، لكنه يجد نفسه أمام مدد طويلة لإنهاء بعض الإجراءات واستخراج التراخيص اللازمة.
وبالتالي فإن حساب المدة الزمنية دون النظر إلى الوقت الذي استغرقته الإجراءات الرسمية والتراخيص قد يؤدي إلى تحميل المواطن مسؤولية تأخير لم يكن طرفًا فيه.
—المطلوب ليس إسقاط الالتزام.. وإنما منح فرصة
المغتربون لا يطالبون بإلغاء شروط مشروع «بيت الوطن»، ولا يطلبون إعفاءهم من مسؤولياتهم.
إنما يطالبون بمنحهم مهلة إضافية عادلة ومنطقية تأخذ في الاعتبار الظروف الاستثنائية التي مروا بها.
ويمكن أن تكون هناك ضوابط واضحة للمد، بحيث يستفيد منه المواطن الجاد الذي لديه رغبة حقيقية في البناء، خصوصًا من يستطيع إثبات أنه بدأ في إجراءات الترخيص أو التعاقد أو التنفيذ.
فالقضية ليست مطالبة مفتوحة بلا ضوابط، وإنما دعوة إلى مراعاة ظروف استثنائية أثرت على شريحة كبيرة من المصريين العاملين بالخارج.
بيت الوطن.. والمواطن الذي لم يتخلَّ عن وطنه
المصري الذي يعمل في الخارج لم يكن بعيدًا عن وطنه بإرادته، بل ذهب بحثًا عن فرصة عمل ورزق أفضل لأسرته.
وعندما اشترى أرضًا في مشروع «بيت الوطن»، كان يقول بصورة عملية: «رغم الغربة.. أنا ما زلت أريد أن يكون لي بيت في مصر.»
ولهذا فإن مد المهلة بالنسبة للجادين يمكن أن يحافظ على هذا الحلم، ويمنحهم فرصة لاستكمال ما بدأوه بدلًا من أن تتحول الظروف الاستثنائية التي مروا بها إلى سبب في فقدان سنوات من العمل والادخار.
رسالة إلى المسؤولين
إن ملف «بيت الوطن» يحتاج إلى نظرة متوازنة تجمع بين حق الدولة وحق المواطن.
الدولة من حقها أن تضع قواعد وضوابط واضحة، والمواطن من حقه أيضًا أن تُراعى الظروف الاستثنائية التي حالت دون قدرته على تنفيذ التزاماته في المواعيد المقررة.
كورونا.. توقف الطيران.. الحروب.. إنهاء عقود العمل بصورة جماعية.. وتأخر استخراج التراخيص، كلها عوامل يجب أن تكون حاضرة عند تقييم موقف المواطنين المتعثرين.
فمد المهلة ليس تراجعًا عن النظام، وإنما قد يكون إجراءً استثنائيًا لإنصاف من أثبتت الظروف أنه لم يكن قادرًا، وليس غير راغب، في استكمال البناء.
وفي النهاية، يبقى السؤال: إذا كان مشروع «بيت الوطن» قد أُنشئ ليكون جسرًا بين المصري في الخارج ووطنه، فلماذا لا نمنح هذا المواطن فرصة إضافية حتى يكتمل حلمه؟
فالمصري الذي عاش سنوات الغربة، وتحمل الأزمات، ودفع من مدخراته ليبني بيتًا في مصر، لا يبحث عن وطن جديد.. بل يبحث عن فرصة ليعود إلى وطنه.


