كتب ا.د / ابراهيم حسينى درويش
في الخامس والعشرين من أبريل من كل عام، تتوقف عقارب الساعة في مصر لتروي حكاية لا تنتهي، حكاية عشقٍ بين شعبٍ وأرضه، وتضحيات جيشٍ أقسم أن يكتب بدمائه وعرقه ملحمة تاريخية تُدرس للأجيال.
ذكرى تحرير سيناء (1982) ليست مجرد يوم عطلة رسمية، بل هي “عيد الكرامة”، واللحظة التي استعادت فيها مصر “أرض الفيروز” كاملةً، لتُطوى صفحة الاحتلال، وتُفتح صفحة جديدة عنوانها البناء والتنمية.
سيناء في الوجدان الديني والوطني
سيناء ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي أرض مباركة ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، وبُوركت بمرور الأنبياء والمرسلين عليها.
فيها ناجى موسى -عليه السلام- ربه، فاستحقت وصف “الوادي المقدس”.
ذكرت سيناء في القرآن الكريم صراحة، كما في سورة التين: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ}، وعليها سارت العائلة المقدسة، لتكون سيناء “أرض الرباط” وجزءًا من قلب العقيدة المصرية، تزداد قدسيتها بما ارتوى من دماء الشهداء عبر التاريخ.
وطنيًا، تمثل سيناء بوابـة مصر الشرقية، والعمق الاستراتيجي الآمن، حيث مثّل احتلالها في 1967 جرحًا عميقًا في كرامة كل مصري وعربي، لكن الشعب المصري، بصلابته المعهودة، رفض الرضوخ، وبدأ رحلة نضال شاقة بدأت بحرب الاستنزاف، وبلغت ذروتها في ملحمة العبور العظيم في السادس من أكتوبر 1973، والتي أثبت فيها الجندي المصري أنه خير أجناد الأرض.
فقد عبرت القوات المسلحة المصرية خط بارليف المنيع، الذي كان يحتوي على 36 نقطة حصينة، وحققت نصرًا كاسحًا.
وكبدت العدو الصهيوني خسائر فادحة قدرت بـ 25 طائرة، و20 دبابة، ومئات القتلى في المعارك الأولى، بينما تشير تقديرات أخرى إلى مقتل ما بين 8,000 إلى 10,000 جندي إسرائيلي على الجبهتين..
ولم يكن الانتصار بدون تضحيات
فقد روى آلاف الشهداء من ابناء مصر من القوات المسلحة بدمائهم رمال سيناء، حيث قُدِّر عدد الشهداء المصريين في حروب الاستنزاف ونصر أكتوبر بالآلاف، ففي حرب أكتوبر وحدها تشير بعض التقارير إلى استشهاد حوالي 15,000 جندي.
واستمرت هذه التضحيات الى الان لتطهيرها من الارهاب و أوهام العدو الغادر..
حرب السلام وتتويج التحرير—————————————–بعد العبور، خاضت الدولة المصرية معركة أخرى، لا تقل شراسة عن الحرب العسكرية، وهي “معركة المفاوضات”.
كان التحرير مسارًا وطنيًا متصلًا، بدأ بالتضحية، وتواصل بالدبلوماسية، واكتمل برفع العلم المصري فوق رفح وشرم الشيخ في 25 أبريل 1982.
وتجسد هذا التحرير في إرادة سياسية حكيمة استعادت كامل الأرض، ليبقى العلم المصري يرفرف شامخًا، ومؤكدًا أن السلام العادل لا يصنعه إلا الأقوياء.
التحول من التحرير إلى التعمير (البعد الاجتماعي)لا تتوقف عظمة تحرير سيناء عند لحظة رفع العلم، بل تمتد إلى ما تلاها.
لقد أدركت الدولة المصرية أن تأمين سيناء الحقيقي لا يكون إلا بتعميرها.
وبعد أن كانت ساحة للحرب، تحولت سيناء إلى ورشة عمل ضخمة للتنمية، حيث تم استثمار مئات المليارات في البنية التحتية، وإنشاء مدن جديدة، وتطوير الأنفاق والطرق التي ربطت سيناء بالوادي.
هذه التنمية تستهدف بشكل مباشر سكان سيناء، لدمجهم في نسيج الوطن، وتوفير فرص العمل، وتحويل “أرض الفيروز” إلى مركز اقتصادي سياحي وصناعي.
إنها رؤية وطنية تؤمن بأن “التنمية هي الدفاع الأول عن الأرض”.
دروس من التحرير للأجيال
وحدة الصف: سيناء تذكرنا دائمًا بأن قوتنا في وحدتنا، وأن التلاحم بين الشعب والجيش هو الضمان الوحيد لحماية الوطن.
الإرادة لا تنكسر: مهما بلغت قوة العدو، فإن إرادة المصري في استعادة حقه لا يمكن كسرها.
حب الوطن عقيدة: الشهادة في سبيل الله وحماية الوطن هي أسمى درجات التضحية، ودم الشهداء هو الذي يكتب تاريخ الأمم.
خاتمة
إن ذكرى تحرير سيناء هي “عهد ووعد” يتجدد، بأن نظل أوفياء لهذه الأرض، وأن نحمل الأمانة التي سلمها لنا أبطال أكتوبر، لنعمرها ونحميها من أي عدو، سواء كان احتلالًا أو إرهابًا.
سيناء ستظل “قطعة من نور مصر”، ورمزًا لعزة مصر وكرامتها، فكل عام وسيناء محررة، ومصر آمنة ومنتصرة. …

