في زمنٍ شحّت فيه المشاعر الصادقة، وتغلبت المصالح الشخصية على العلاقات الإنسانية، يبرز أشخاص يمثلون “العملة النادرة” بنقائهم وأصلهم الطيب، هم أولئك الذين يعيشون لغيرهم أكثر مما يعيشون لأنفسهم، يزرعون الخير في كل أرض، ويمدون يد العون لكل عابر، دون انتظار مقابل أو شكر.
ومن بين هؤلاء الرجال الذين يتركون بصمة حب أينما حلوا، يبرز اسم المهندس علي الدين رمضان؛ الرجل الذي جمع بين كفاءة المهندس، وشهامة ابن البلد، وكرم النبلاء الذين ينسون أنفسهم ليعيشوا لغيرهم.
طوال حياته، لم يعرف المهندس علي الدين معنى الأنانية، كان يرى سعادته في مساعدة الآخرين، وجعل من وقته وجهده جسراً يعبر عليه الجميع نحو غاياتهم، فتراه دائماً الجدع، الكريم، والمحب للخير الذي يحل مشكلات هذا، ويدعم ذاك دون تردد.
ولكن، وكعادة الحياة عندما تختبر الأنقياء، استغل البعض هذه الطيبة المفرطة وهذا الكرم اللامحدود، فتحول العطاء لديهم إلى حق مكتسب، وتحول المهندس علي الدين في نظر المتسلقين والمنتفعين إلى مظلة يحتمون بها وقت الحاجة، ثم ينصرفون دون أدنى تقدير، ورغم ذلك، ظل كما هو، ثابتاً على مبادئه، تملأ قلبه نية الخير والنقاء.
مؤخراً، تعرض المهندس علي الدين لوعكة صحية كانت بمثابة هزة قوية، وجرس إنذار رباني يخبره بأن لنفسه ولجسده عليه حقاً، فالجسد الذي أُنهك في خدمة الجميع دون راحة، قرر أن يطلب هدنة.
هذه الأزمة الصحية لم تكن مجرد عارض عابر، بل كانت مرآة حقيقية كشفت الواقع؛ فالصحة هي الرأسمال الحقيقي للإنسان، وإذا ذهبت فلن يعوضها ثناء مستغل أو تصفيق منتفع، لقد أثبتت التجربة القاسية أنه لا يوجد شيء أغلى من العافية، وأن الإسراف في العطاء لمن لا يستحق هو استنزاف للنفس والجسد بلا طائل.
إن النصيحة الصادقة التي يحتاجها المهندس علي الدين اليوم من كل مخلص يحبه، هي أن يلتفت إلى نفسه أولاً، فالاهتمام بالذات ليس أنانية بل هو وقود الاستمرار، وحان الوقت لكي يضع حدوداً صارمة تحميه من طاقة الفشل والإحباط، وكفاية استنزافاً مع الفاشلين والمنتفعين الذين لا يضيفون لحياته سوى العبء.
فالنجاح الحقيقي، مهنياً وإنسانياً، لا ينبت في بيئة يملؤها الاتكاليون والانتهازيون، إنما يأتي النجاح ويزدهر عندما يحيط الإنسان نفسه بالناجحين، بالمخلصين، وبـ “أولاد الناس” الذين يشبهونه في أصله وكرمه، والتعاون مع طاقات إيجابية مبدعة هو الذي سيقود المهندس علي الدين إلى المكانة التي يستحقها، ويحمي قلبه الطيب من الخذلان.


